ولادة بعد الموت

18/10/2009Untitled-1.jpg

 

ولادة بعد الموت

مقولة لا تليق إلا بالعظماء في التاريخ، فلم يستطع أكثرهم أن يتفق مع قاعدة:أن الحياة َ حياة ُ فبطلت نتيجتها في شخصه . . كما بطلت نتيجة قاعدة أخرى وهي أن الموت موت !!

فقد ظهروا للعالم منذ غابوا .

وبدأوا حيث أنتهوا بأعمارهم.

واستمروا حين انقطعوا بمادتهم .

أي أن الكثير قد فقد قابلية الإدراك لهم وهم أحياء فأدركهم وهم دفناء . .

فكم  من العظماء أخذ في النشأة من حين توفاه الله عز وجل؛ لأن تقدير العظماء وإجلالهم الذي يحمل الناس على أن يدفعوا بهم إلى المقدمة أمر يحتاج معه الناس إلى خصائص النجاح مع العظماء و السلامة من خصائص الفشل معهم. . ولنبقى مع الخصائص الواضحة:-

-1    التربية السابقة على الخضوع للعظماء .

-2    تهذيب النفس من حسد أهل الفضل ففي بديع قوله تعالى:{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}، النساء/54.

3   -عدم الانتماء إلى الجهل ، والسؤال الذي يعتبر نفسه هنا:

ماذا يقصد من الانتماء إلى الجهل ؟

إن بين أتباع الجهل من يحسب أنه عالم فيأتي بالباطل اختلاطا وغباءا، وهناك من يعلم جدَ العلم أنه جاهل  ولكنه منتمي إلى الجهل ويحارب العلم لأنه يخالف انتمائه ؟!!

فهذه الأسباب وما يجاريها ألقت بصعوبة على العقول في استيعاب الرقي ورموزه من العظماء ويكاد لا يتمكن من ذلك الجيل الأول ممن يلي فضلاء البشرية بل صار الاقتراب منهم معنويا يحتاج إلى أجيال متعاقبة فكلما مضت الأجيال وهي تتدارس ما أنتجه العظماء كلما توسع منزلهم في قلوب الناس. .

بل الناس يقاومون أولئك إلى أن يتبين لها ـــ بعد مرور الأجيال ـــ عجزها عن المقاومة وحاجتها إلى الاستسلام والتسليم للعظيم !

وهذا ما صار يصطلح عليه في حق بعضهم: أنه قد سبق زمانه فإذا استسلمت له العقول بعد مائة عام مثلا (أي ثلاثة أجيال) قيل سبق زمانه بمائة عام وهكذا . .

والسبر التاريخي يحكي لنا عن أنبياء ورسل ما ازداد اتباعهم ولا دانت الأمم لهم إلا بعد موتهم وتعاقب الزمن عليهم ..

مثال عظماء الفلاسفة:

بل حتى عظماء الفلاسفة وعمالقة الفكر الذين جاؤوا ورحلوا فقد حيوا بين الناس حياة الرعب والروع، والتهميش والزحزحة والتهديد بالإعدام والمطاردة على دوام الأيام. . ولا ذنب لهم إلا رقيهم فماذا صنع الإثينيين بسقراط العظيم عندما كافؤوا دعوته إلى العدالة والحث على السعي إلى الخيرات بالإعدام بعد أن لقبوه بذبابة الخيل (التي تلدغ الخيل فتجعله يتحرك من شدة اللدغ) فرأوا أنه صار يحركهم تحركا اضطراريا لا رغبة لهم فيه لولا انتقاداته اللادغة !!

وبعده أرادوا أن يفتكوا بحفيده العلمي (أرسطو) سليل نجله علميا (أفلاطون)، لأنه رفض الخضوع للآلهة ففر منهم قائلا: "" لا أسمح بالخطيئة مرة أخرى أن تتكرر على الفلسفة "" !

والنموذج القريب من عهدنا قياسا بأولئك هو ( العظيم صدرا ) الشيرازي الذي عانى من النفي من شيراز إلى أصفهان ومنها إلى قم وهكذا، وهذا لم يتحرك ضده قطيع العوام بل قاومه المتسمون بالفقهاء فقد أغروا صدور الناس بالعداوة عليه ووجهوا إليه بشحنات الحرب . .

وفي الأخير من الذي باد في البائدين ومن الذي بقي في الآبدين ؟

لقد باد كل أؤلئك الذين نصبوا أنفسهم أبطالا للجهل يريدون أن يحملونه على أكتاف العلم.. ودام أؤلئك الذين دفعوا حياتهم ثمنا لازدهار المقبلين في الدنيا.

فحقا لا تجد كلمة العظيم حريتها إلا بعد موته !!

مثال النبي صلى الله عليه واله وسلم:

لقد رصت قريش صفوفها ولم تدخر مكرا ولا حيلة للغدر بالنبي صلى الله عليه واله وسلم حتى شمرت عن كل ساعد وساق قبل أن يبترها الله عزوجل للتضيق على النبي الكريم ومن ثم إخرجوه من بلده وبلد أجداده البررة ولم يكن عن جهل منهم بتميزه بل كانوا مع كل هذا محرزين لأمانته وصدقه ووفائه وحبه ولكنه الانتماء للجهل الذي أنساهم كل قرابة كما أنسى  قابيل قرابته من هابيل وأنسى بني يعقوب قرابتهم من يوسف وأنسى الزوجات أزواجهن الكرماء نوحا ولوطا !

مثال الصادق عليه السلام:

وقد استمر هذا مع آله الكرام البررة وممن أبرز منهم علومه الراقية وفنونه العالية بما سمح له الوقت لا أكثر ومع ذلك أخرس بها كل المتسمين بالعلماء، وأخنس من لبسوا رداء الفقهاء، وحير من ملكوا سحر الأطباء،  وانقطع عن اللحاق به خبراء الكيمياء ذاك هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الصادق عليه السلام يقول الشيخ محمد أبو زهرة:

"" كان الإمام جعفر الصادق متصلا بالفقهاء الذين عاصروه وقد كان متصلا بالإمام مالك وأخذ عنه مالك وكان متصلا بأبي حنيفة وقد أخذ هذا عنه وإن كتاب الآثار لأبي يوسف وكتاب الآثار لمحمد وكلاهما مسند لأبي حنيفة فيهما الروايات الكثيرة عن الإمام الصادق"" (الإمام الصادق لأبي زهرة/ 127).

ويقول أيضا: "" وللإمام الصادق آراء في تكوين الإنسان وطب الأجسام فلم يقتصر على طب الأرواح بكلامه الحق بل تصدى لطب الأجسام وكما عالج القلوب المنحرفة عالج الجسم المنحرف "" (المصدر السابق/ 184) .

ويقول ايضا:"" إن الصادق كان على علم دقيق بالفلسفة ومناهج الفلاسفة وعلى علم بمواضع التهافت عندهم وإنه كان ذا أفق واسع في المعرفة لم يتسن لغيره من علماء عصره فقد كانوا محدثين أو فقهاء أو علماء فن الكلام أو علماء في الكون وكان هو كل ذلك رضي الله عنه وأرضاه"" (المصدر السابق/ 99).

وهذا كله طل من وابل ورشح من فيض ويبقى السؤال المحير يلقى على كل المسلمين سيما علماء الرجال وفقهاء المذاهب وشيوخهم من الطوائف الإسلامية الأخرى الذين عرفوا كل هذا عن الصادق ..

أليس من المخجل أن يكون أن يُـعظمَ الفلاسفة ُ المسلمون وغير المسلمين لترفع أسمائهم على المدارس والمعاهد والجامعات في عديد من نقاط العالم الإسلامي ثم لا يكون للصادق مثلهم ولا حتى أقل منهم مع ماهو عليه من الفضل عليهم وعلينا جميعا ؟!!

أليس من الفاضح أن يَـستن الكثير بسنن غيره في الفقه والعقيدة  ثم ينتهي الرأي إلى بطلان التعبد بمذهبه وآرائه بالرغم من كل هذه الإعترافات ؟!

إلا أن القانون السابق قد تأكد مرة أخرى في عصرنا فهاهي الأجيال بدأت تقترب من التشريعات الجعفرية في الطب والقانون منحسرة عن المذاهب الأخرى شيئا فشيئا لأنها لا تلبي الحاجة وها هي الكثير من العقول الكبيرة في مستوايات جامعية عالية بدأت تختار ـــــ  عملية هجرة للعقول المذهبية  (1) ـــــ  طريق جعفر بن محمد كمبدأ للتعبد لله عز وجل وأنه الممثل الحقيقي من بين من قام بدعوى التمثيل لرسول الله صلى الله عليه واله وأما غيره فمهما اجتهد وسعى إلا أنه لم يبلغ ما بلغه الصادق عليه السلام بل عاد ليكون تلامذة له وكم منهم من اعلنها أنه لم ولن يجد مبتغاه إلا عنده أو يهلك قال ابو حنيفة رئيس المذهب الإسلامي المعروف : "" لولا السنتان لهلك النعمان"" (المصدر السابق/38. ومختصر التحفة الإثني عشرية للآلوسي/ 8) .

نعم كان له من العظمة بمكان لم تستطع العقول على استيعابه حتى تعاقبت الأجيال وتحول أصحابه من العشرات إلا المئات ومن المئات إلى الألوف ومنها إلى الملايين وهاهم يقدرون بمئات الملايين !!

بل من تشيع لعلومه أكثر ممن تشيع لنحلته إذ يشمل التشيع لعلومه وفكره الغرب الذين قادهم جوع رؤسهم إلى ما عنده راجع إلى كتاب: ( الإمام الصادق عليه السلام كما عرفه علماء الغرب، تعريب الدكتور نور الدين آل علي) !!

حقا إنها ولادة بعد الموت . .

ولادة لكن عملية النشوء فيها بطيئة فكل جيل بسَـنة وليس كل سَـنة بجيل فإذا مضى على العظيم جيل كأنما مضى من عمره سنة وهكذا حتى يكبر ويبلغ أشده ثم منتهاه!

 

وكتبه:

عبد الجليل البن سعد

 

ملاحظة : كتب هذا المقال القصير حول اٌلإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام تلبية لدعوة شبكة حسينية الإمام الرضا عليه السلام يديرها شباب قرية الحليلة . .

 

الرئيسية